تملكني منذ الدراسة الثانوية هاجس الإعجاب ببيت ضمنه أبونواس قصيدة « ادفني إلى جنب كرمة » وهو بيت لأبي محجن الثقفي يقول فيه :

إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة،     تروّي عظامي بعد موتي عروقها

وكنت قد حفظت البيت كما جاء في ديوان أبي نواس برفع القاف مدركا طرافة الصورة التي جعلت الميت يتغذى من عصارة الكرمة فلا يزول بموته تعلقه بالخمرة ولا تحرم منها عظامه. واستقرت في بالي أيضا صورة الشاعر السكير الذي لا يغلو على سكره شيء، رغم أن بعض الدراسات نبهت للبعد الصوفي الذي يمكن إدراكه في شعر أبي نواس.

ثم تقدمت بي الأيام والسنون واشتد بي الإثم في اقتراف الشعر رغم أني من الذين آمنوا، ورغم أني اخترت له لسانا أجنبيا أقوله فيه، فعدت إلى البيت الذي سكنني وعدت لما شاع من شرحه ممّا شيّع صورة الشاعر السكير الذي لا يفوق سكره سكر والعاشق الولهان الذي لا يتفوق على عشقه للقهوة عشق. فامتلكني التفكير في ذات البيت وأمعنت التأمل فيه دون الرجوع إلى الأصل، ممنيا النفس بتوليد بعض المعنى الحديث الذي من شأنه أن يكسبه قيمة فنية أكثر طرافة، وعمقا فلسفيا أكثر إغراء.

واعتراني هم البيت من حيث الشكل الذي به يتحدد المعنى ونظرت فيه من وجهة قلب الفاعل والمفعول وهو أمر يقتصر على نصب « عروقها »، فتجلى أمامي البيت بتلك المقاربة الفلسفية لموقع الإنسان في الكون من حيث مأساة وجوده المنغلق بالموت كقدر محتوم يكسر الرغبة الجامحة في الأزل، وتبين لي أن البيت عندها، إذا ما نصب القاف، أتى بمعنى تجاوز تلك المأساة ليدفع بالشاعر في دائرة الحياة كما حددها الكون والقاضية بأن الموت أساس الحياة، إذ كلما مات كائن أسهم بموته في تواصل سلسلة الحياة، حتى كأنه يعود إلى الحياة في كل كائن جديد دخلت في تركيبته نطفة من أشلاء الكائن الذي قضى.

نستحضر هنا بالطبع فكرة تناسخ الأرواح التي كثيرا ما قاوم بها القدامى سؤال الوجود أمام قضاء الموت وفعل الزمن كما نستحضر بعض أسئلة الوجود التي عبرت عن حيرة المتبصرين من السلف والتي قد تكون في أبطال الأساطير من سلالة سيزيف أو لدى بعض الأنبياء من نوع إبراهيم يبحث عن صانع الخلق وينشد الدليل الفصل في ذلك (« وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى‏ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى‏ وَلكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » البقرة 260)، وهي الفكرة التي قد تكون في أصل فلسفة ألبار كامو عندما بلغ مرحلة اليأس المتبصر أمام العبث الذي يعتبره في صميم الوجود، فأقر أن الإنسان الواعي بذلك العبث لا يمكنه إلا أن ينخرط في حلقة الحياة وأن يقنع نفسه بأن موته كفرد هو الضامن الوحيد لكينونة الإنسانية ولأزليتها.

عدت إذن إلى بيت أبي محجن بحيرة وجودية كنت أود أن ألقاها على الأقل عنده بعد أن استحال شحنها في نص أبي نواس، أو لعلها فيه من مدخل لم أدركه، وهي حيرة لا تجد إلى فعلها سبيلا إلا بنصب القاف في قافية البيت.

وتشبثت بتلك الإرادة التي جعلتني أود للقاف أن تكون منصوبة بعد الفعل « تروي » فتأتي « عروقها » في وظيفة المفعول به لا الفاعل، وتكون « عظامي » الفاعل لا المفعول به. وتوفرت لي بعض فرص النقاش التي خضتها متعنتا ومتشبثا بمقاربتي، وكان ذلك مع بعض الأصدقاء أخص منهم الأستاذ نور الدين صمود، وهو من هو في ضبط قواعد اللغة والشعر، والشاعر آدم فتحي وهو من هو في الاطلاع الشعري، عربيه وغربيه، وفي الاستطلاع الإبداعي، في الفصحى والعامية.

لقد كان آدم يستلطف شرحي البيت بطريقتي ويستطرف الجهد الذي أحاول به إخراج الشاعر العربي من حلقة السكر الضيقة التي انعزل فيها ماجنا في الدنيا وفي الآخرة، لكي أضعه في موقع السائل للوجود، سؤال الكينونة والعدم، وهو السؤال الذي يعطي به الشاعر معنى لوجوده ولشعره الذي فيه يموت وبه يبعث من جديد، في كل قراءة تعيده للذكرى وتستلهمه للنقد أو الإبداع على الإبداع.

أما الشاعر نور الدين صمود فقد أصر على رفع القاف لأجل أن الأمر كذلك تاريخيا وأن الفكرة الوجودية على عمقها وعلى طرافتها وعلى حداثتها خصوصا لا يمكن حسب رأيه أن تكون قد خطرت للشاعر القديم. فكتب لي رأيه هذا: « (…) وأبو محجن الثقفي المتوفى سنة 30 للهجري وهو شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ولا يمكن إن يفكر تفكير أستاذ جامعي يعيش في القرن الحادي والعشرين يجيد لغتين على الأقل. »

وعاد بنا السجال إلى كتاب « الأغاني » لأبي الفرج الإصبهاني فوجدنا فيه ما يكفي لإقناعي بموقف الأستاذ نور الدين صمود. ولكن هذا الأخير أشار إلى إمكانية الاجتهاد في خبر قد يدفع إلى التأويل الذي أتيت، وهو تأويل لا أنكر مرجعيته الحديثة التي تنزل الشعر منزلة مركزية في سؤال الوجود والتي تقر بأن الشعر لا يمكن أن ينحصر في المعنى الذي أراده الكاتب، إذ كثيرا ما تشذّ الكتابة الشعرية عن إرادة صاحبها الأول لتذهب أبعد مما رسم لها في البداية من المعاني.

أؤكد، انخراطا في هذه النظرة، أن في اللغة من العبقرية وفي لا شعور الشاعر من مصادر الإلهام ما يوجه قول الشاعر لأبعد وأعمق مما قد يخطر بباله عند الإبداع بطريقة واعية. وهو أمر أكدته الأبحاث الألسنية والأدبية والإنشائية الحديثة، إذ بدون ذلك لا يمكن للإبداع الحقيقي أن يخترق الزمن وأن يطمح للسرمد والأزل.

والخبر الذي أشار إليه الأستاذ نور الدين صمود يقول:

« حدثني من مرّ بقبر أبي محجن الثقفي في نواحي أذربيجان – أو قال في نواحي جرجان – قال: فرأيت قبره وقد نبتت عليه ثلاثة أصول كرم قد طالت وأثمرت، وهي معروشة – وعلى قبره مكتوب: هذا قبر أبي محجن الثقفي. فوقفت طويلا أتعجب مما اتفق له حتى صار كأمنية بلغها حيث يقول:

    إذا متّ فادفني إلى أصل كرمة،     تروّي عظامي بعد موتي عروقها »

إن هذا الخبر يدفع إلى الاعتراف على الأقل بإمكانية التأويل على النحو الذي ذهبت إليه، حيث جاء في الخبر أن أصول الكرم لم تسبق الدفن، بل أنها نبتت على قبر الشاعر وما فعلت إلا لما وجدت فيه من مكونات النبات والثبات والترعرع فتروت وطالت وأثمرت. وهذا التأويل، كالتأويل الآخر، لا يتناقض مع ما جاء في الخبر عما « اتفق له حتى صار كأمنية بلغها »

 يبدو إذن أنه خطر لبعض المتقدمين قراءة ذاك البيت في علاقة بسؤال الموت والوجود، دون الاقتصار على معنى السكر والمجون، وإن لم يكن ذلك فالبيت يسمح بتلك القراءة، نحوا ومعنا.

أما الأستاذ نور الدين صمود، فبعد اعترافه بأن النحو والمعنى يجوّزان نصب الروي (على اعتبار أنه هنا حرف القاف لا حرف الهاء) في البيتين الأولين لأبي محجن، طلب مني أن أجد لنفسي مخرجا في البيت الثالث إن أنا أردت الدفاع عن فكرتي.

لنتذكر الأبيات الثلاثة كما جاءت في خبر نقله الإصبهاني في أغانيه كما يلي:

« قالت له سلمى: يا أبا محجن، في أي شىء حبسك هذا الرجل؟ فقال: أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني فينفثه أحيانا، فحبسني لأني قلت:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمــة     تروي عظامي بعد موتي عروقـها

ولا تدفــنني بالفــــــــــــــــــــــــــــــلاة فإنـني      أخاف إذا ما مت ألا أذوقــهــا

ليروى بخمر الحص لحمي فإنني    أسير لها من بعد ما قد أسوقـــها »

يمكن القول هنا إن البيت الثاني لا يطرح إشكالا من حيث أن النحو يرجح نصب الفعل في « ألا أذوقها » حتى وإن اعتبر البعض أن رفعه جائز أيضا.

 بقي البيت الثالث وهو في نظري يطرح جملة من الأسئلة أسوق أهمها بالنسبة لموضوعنا:

+ إن هذا البيت يأتي بعلاقة سببية تشرح الطلب المعبر عنه في البيت الأول ولو صح لكان من الأجدر أن يأتي في الموقع الثاني بحيث نقرأ:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمــة     تروي عظامي بعد موتي عروقـها

ويروى بخمر الحص لحمي فإنني    أسير لها من بعد ما قد أسوقـــها

ولا تدفــنني بالفــلاة فإنـــــــــــــــني     أخاف إذا ما مت ألا أذوقــهــا

وفي تلك الحال أيضا، واعتبارا للشك الصريح بين « لحمي » و « لحدي » (والمشار إليه في « الأغاني » في هامش يأتي بالتوضيح التالي: « وفي رواية: المحص لحدي »، و يمكن أن نضيف: « أين للحم أن يبقى بعد الموت والشاعر نفسه يذكر العظام؟ »)، فإن البيت يمكن أن يتمثل كما يلي:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمــة     تروي عظامي بعد موتي عروقـها

ويروى بخمر الحصّ لحدي فإنني    أسير لها من بعد ما أن أسوقـــها

ولا تدفــنني بالفــــــــــــــــــــلاة فإنــــــــــــــــــني     أخاف إذا ما مت ألا أذوقــهــا

بذلك تستقيم القراءة التي نقدم من كل جوانبها.

+ لكن الجدير بالذكر أيضا، في خصوص هذا البيت الثالث، أنه لم يذكر في مختلف الروايات إلا في واحدة من روايات الأغاني لأبي الفرج الإصبهاني التي استشهدنا بها سابقا.

وعند رواية هذا الخبر نفسه في كتاب « الوافي بالوفيات » لصلاح الدين الصفدي لا توجد إشارة إلا إلى البيتين الأولين.

أما باقي الروايات، وأغلبها تتعلق بخبر ابن أبي محجن مع معاوية، فهي لا تحيل إلا على البيتين الأولين (وفي بعض الروايات لا يذكر إلا البيت الأول لوحده):

« دخل ابن أبي محجن على معاوية، فقال له: أليس أبوك الذي يقول:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمــة     تروي عظامي بعد موتي عروقـها

ولا تدفــنني بالفــــــــــــــــــــــــلاة فإنـــــــــــــــني     أخاف إذا ما مت ألا أذوقــهــا

فقال ابن أبي محجن: لو شئت لذكرت ما هو أحسن من هذا من شعره: قال: وما ذاك؟ قال: قوله:

لا تسألي الناس عن مالي وكثرته     وسائلي الناس ما فعلي وما خلفي… »

فهو كذلك عند الإصبهاني في « الأغاني »، وعند ابن قتيبة الدينوري قي « الشعر والشعراء »، وعند ابن حجة الحموي في « ثمرات الأوراق في المحاضرات »، وعند الحصري القيروان في « جمع الجواهر في الملح والنوادر »، إلخ.

والأمر كذلك عند تقديم الشاعر كما هو الحال في « الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها » لابن قتيبة الدينوري  أو في « العقد الفريد » لابن عبد ربه الأندلسي.

  فكأن الرواية العربية لم تستسلم للقراءة الأولى لبيتي أبي محجن ولطريقة نقلهما، وكأن عبقرية اللغة العربية، بما توفره من مجال رحب للتمحيص والتأمل العميق، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشعر، تركت البيتين مفتوحين لاجتهاد كالذي ملت إليه.

ويمكن في هذا الباب أن نشير إلى عدم شكل البيتين في عديد الروايات وإلى بعض الروايات التي شكلت القاف مختلفا بين البيتين (في « المحب والمحبوب والمشموم والمشروب » للسري الرفاء وفي « زهر الأكم في الأمثال والحكم » لليوسي)

+ وفي ملاحظة ثالثة يمكن أن نرجح بأن أبا محجن لم يقل في البداية سوى البيتين الأولين:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمــة     تروي عظامي بعد موتي عروقـها

ولا تدفــنني بالفــــــــــــــــــــــــلاة فإنــــــــــــني     أخاف إذا ما مت ألا أذوقــهــا

وأما البيت الثالث فقد يكون منسوبا إليه أو قد يكون أتى لاحقا، إذ يمكن للشاعر نفسه أو لغيره، لأمر أو لآخر، وربما بعد اعتناقه الإسلام، أن يكون قد أضاف هذا البيت، وهي عملية واردة. ويحق بذلك الأمر على القصيدة التي رواها ابن السكيت معتبرا هذين البيتين مطلعا لها، بعد أن غير عجز البيت الثاني بالصفة التي تفرض رفع القاف الروي وبعد أن أسقط البيت الثالث الذي تناولناه بالتحليل والنقد في ما سبق:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمــة     تروي عظامي بعد موتي عروقـها

ولا تدفــنني بالفـــــــــــــــلاة فإنـــــــــــــــــــني     يقينا إذا ما مت لست أذوقــهــا

أباكرها عند الشروق وتـــــــــــــــــــــــــارة     يعاجلني عند المساء عـبـوقــها

وللكأس والصهبـــــــــاء حق معظم     فمن حقها أن لا تضاع حقوقــهـا

أقومهـــــــــــــــــــــا زقـــــــا بحق بــــــــــــــــذاكـم    يساق إلينا فجرها وفســوقــهــا

وعندي على شرب المدام حفيظة    إذا ما نساء الحي ضـاقت حلوقـهـــا

وأعجلن عن شد المــــــــــــــــآزر ولها    مفجعة الأصوات قد جف ريــقــهـــا

وأمنع جــــــــــار البيت مما ينــــــــــوبه     وأكرم أضيـافا قــراها طروقــــهـا

في هذه المقاربة لبيتي أبي محجن إذن، من حيث إمكانية نصب الروي (القاف)، سواء بنصب الفعل قي البيت الثاني أو باعتبار إسم القافية مفعولا به في البيت الأول، يمكن مراجعة المعنى الناتج عن ذلك كما يلي:

يطلب الشاعر دفنه إلى أصل كرمة حتى ترتوي عروقها من غبار الشاعر إلى آخر عظم من عظامه، فتنتعش بذلك الشجرة وثمرتها، منتجة خمرة أخرى تواصل إمتاع شاربيها واستدامة اللذة التي تؤتيها، لذة الحياة بكل معانيها. وذلك لأن الشاعر لن يذوقها لا محالة بعد الموت ومن الخسارة أن يذهب جسده وعظامه في تربة الفلاة، كموت على موت، لا يرتوي منه شيء من عناصر الحياة.

إذا مت فادفني إلى أصل كرمــة     تروي عظامي بعد موتي عروقـها

ولا تدفــنني بالفــــــــــــــــلاة فإنـنـــــــــــــــــي     أخاف إذا ما مت ألا أذوقــهــا

أما أن يأتي أي شاعر من مثل أبي نواس الذي ضمن أول البيتين في ختام قصيدته التي ذكرنا في بداية المقال، أو أن يأتي شاعر غيره ممن ضم إلى البيتين بيتا آخر أو أبياتا، وأن يرفع الروي في المقام الجديد أو أن ينصب، أو كذلك أن يقدم شاعر آخر، في تناص واضح، على إعادة صياغة البيت المرجع طبقا للسياق الجديد، فكل ذلك من انفتاح البيتين الأصليين على طاقة توليدية تجعلهما في مقام العظام الميتة التي تروي كرمة الشعر وتجعلهما أيضا من خيرة ما كتب في الشعر العربي، لا كما قيل في أحد البيتين من أنه « أحمق بيت قالته العرب ».

والرأي عندي أن ما تفرع عن هذين البيتين من استعمالات عدة، لعبارة « إذا مت » خاصة، وفي أغراض متنوعة يبرز حيرة الشاعر العميقة أمام سؤال الحياة والموت وقلقه الواضح أمام علاقة الفناء والوجود، حتى كأن كل استعمال للعبارة إنما هو وقفة جادة أو هازلة، محبة أو حاقدة، ماجنة أو زاهدة أمام سؤال الموت في علاقة بما أسماه محمود المسعدي « حديث البعث الآخر ».

وهذه نخبة من الاستعمالات المتفرعة عن العبارة الرحم التي أطلقها إبن محجن، أي عبارة « إذا مت… »:

فابن سنان الخفاجي الذي مات مسموما يقول:

إذا مت فادفني بوعســــــــــاء سهلة      بها السرب يعطو والجاذر تلعب

وفاح سحيري الصبا من خلائقي     بما هو أذكى منه عرفا وأطيب

وابن ميادة يقول:

إذا مت يا قومي فلا تدفنونني      فأبغض جبران إلي القبور

ولكن دعوني يا بني تعسني       ثعالب في أوطانها ونسور

وهذا المعري يقول:

إذا مت لم أحفل أبالشأم حفرة       حوتني أم ريم بريمان منهال

على أن قلبي آنس أن يقال لي      إلى آل هذا القبر يدفنك الآل

وبين الردى والنوم قربى ونسبة       وشتان برء للنفوس وإعلال

أما لأبي فراس، فالكل يذكر البيت الذي زادته أم كلثوم شهرة:

معللتي بالوصل والموت دونه     إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر

ويتغير المعنى عند جميل بثينة لما يقول:

وجاور إذا ما مت بيني وبينها     فبا حبذا موتي إذا جاورت قبري

ولنختم ببيتين كتبا على قبر أبي الهندي الذي يقال عنه إنه خرج وهو سكران في ليلة باردة من حانة خمار، فوجد من غد ميتا على الطريق:

اجعلوا إن مت يوما كفني      ورق الكرم وقبري معصره

إنني أرجــــــــــــو من الله غدا      بعد شرب الراح حسن المغفره

هذا والثابت أن الأمر لم يقتصر على الشعر العربي، ففي مجال الأغنية الفرنسية الشعبية يمكن أن نذكر تلك التي تقول:

إذا مت فادفني في قباء     به الخمر حلوة ومعتقه

وضع رجلــــي على مقعد    ورأسي للحنفية معلقه

وهذه قضية أخرى تستحق مزيدا من الدرس والتمحيص.

منصور مهني

أستاذ متميز – جامعة تونس المنار

      صدر هذا المقال في العدد 13-14 من مجلة تيتيس