تـقـديم

محجوب العياري

محجوب العياري

« العنكبوت » رواية قرأتها، فوجدت فيها بعض شتاتي، فأحببتها، فنقلتها إلى العربيّة.

والعنكبوت دنيا من شخوص متآلفة حينا، متنافرة أحيانا، تحرّكها أحداث متداخلة هي المزيج بين الواقعيّ المعيش، والعجائبي المحلّق في فضاءات بعيدة لا تُطالُ.

في شعريّة دفيئة، وضرب من السّرد الماكر الآسر، يطوح بك منصور مهنّي في عوالم  تبدو لك مألوفة في ظاهرها، جليّة حتّى كأنْ لا غبار عليها، غير أن الرواية، وهي تنغلق على صفحاتها الأخيرة، سرعان ما تفجأك بما لم تتوقع، فتعصف بما كان رسخ في ذهنك من بعض طمأنينة، وتفتح أمامك أبوابا للحيرة والدهشة واللاّيقين.

« فارس »، بطل هذه الرواية مسكون بكتابة حكاية، حكاية جديدة مبتكرة، حكاية « تنشئ عالمها البكر ساعة تنشأ، حكاية عذبة آسرة تعرف كيف تترسخ في ذهن قارئها حتّى لتستحيل جزءا منه. وفي سبيل أن يتفرغ لكتابة حكايته المنشودة، يهرب فارس من أطفاله وزوجه وقلقه وخيباته إلى نزل بحري في مدينة « المنشية »، وهناك تبدأ الحكاية…

في النزل يلتقي فارس بنماذج من الناس عاديين لهم حضورهم في واقعنا اليومي المعيش حتى لنستطيع العثور على أضراب لهم كثر في وسط الاجتماعي دون كبير عناء…

« أميمة » بنت العشرين، « زاهي » الرسام المفتتن بالجسد وفرحة الحياة، المستحمة الجميلة القادمة من الضفة الأخرى للمتوسط، وغيرهم من الشخوص التي تؤلف نسيج هذه الرواية، كلهم في ظاهر الأمر، عاديون لا يميزهم عن بقية خلق الله خوارق أو كرامات، غير أن النص، وهو يلامس فقراته الأخيرة، سرعان ما يكشف لقارئه أن كل هؤلاء ما كانوا سوى أقنعة تتحرك وسط عالم غرائبي أحكم نسجه الروائي في لغة هي أقرب إلى الشعر منها إلى النثر…

بقي أن أشير في خاتمة هذه التقدمة الومضة، إلى أن نقل « العنكبوت » إلى العربية لم يكن بالأمر الهيّن اليسير، ذلك أن المؤلف يعمد أحيانا إلى الإتيان ببعض التشابيه والنّعوت الغريبة التي لم تألفها الذائقة العربية مما يجعل المترجم في حيرة من أمره، فيجد نفسه مرغما على اقتراف « خيانات » كثيرة حتى يستقيم المعنى وتصل الفكرة. وهل الترجمة في جوهرها إلا محض خيانة جميلة لا غنى عنها؟

ثم ماذا؟

لقد كان للمؤلف نفسِه، كبير فضل في إنجاز هذا العمل، فقد كان أبدا مساهما في كل المراجعات التي أجريناها معا، والتي غالبا ما كانت تتطلب جهدا وصبرا وإصرارا. أما في ما يخصني، فأتمنى أن أكون قد نجحت في فتح كوّة، ولو صغيرة أمام القارئ العربي حتى يتمكن من النّفاذ إلى عالم منصور مهني الإبداعي الطّافح بكل ما هو آسر وماكر في الآن ذاته.

محجوب العياري

في الصورة من اليسار إلى اليمين : الأديب منصور مهني، الأستاذ : عبد العزيز شبيل، الشاعر محجوب العياري والناقد محمد البدوي

في الصورة من اليسار إلى اليمين : الأديب منصور مهني، الأستاذ : عبد العزيز شبيل، الشاعر محجوب العياري والناقد محمد البدوي

+++++++++++++++++++++

تصدير

الأستاذ كمال عمران

كمال عمران

لمنصور مهني في فن السرد فضائل يعسر تبيّن خصائصها في مجال ضيق. وآية العجب أنّه جمع بين مسالك مختلفة يقرؤها المستعجل فيجد كلدغة الحس في الجسد الباهت ويجيل المتأني فيها النظر فتستوقفه صفات منها تعدد الأجناس وتنوع الأصوات واختلاف الضمائر فضلا عن البرامج السردية الثرية وليس من طريق إلى حصرها سوى تقريب المعنى بالقيتارة يعزف الماهر على أوتارها فيهب من الأنغام ما يؤدي إلى الأشجاء. فوجب القصد إلى هذا الفن السردي الناعم بتحليل مخبري حصيف.

ولمنصور مهني رؤية في هذا النص تصدر عن موقف معتق من الإنسان وجودا ومصيرا وإن هو يعيش حياته اليومية بشكل عادي كفارس في هذه الرواية ومن لفّ لفّه أو كأميمة و »الجنية » تفضي أدوات السرد في التعامل مع هذه الشخوص إلى قراءات جمع منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي يفرض الغوص إلى الأعماق إذ هي تبوح بنماذج بشرية كائنة فينا على وجه من الوجوه. قوام هذه الرؤية على العفوية والانبساط وهما يفضيان إلى تجربة بشرية أصيلة تنوس بين قطبي العزة والصغار أو الشدة والبأس من جهة والوهن والضعف من جهة أخرى.

هذا النص السردي يخطف العقول ويطرب الوجدان إذ هو كالذي يستدعي من وراء خيوط العنكبوت إلى الصفاء والطهارة في عمق إنساني لطيف.

كمال عمران

+++++++++++++++++++++++++

مطلع الرواية:

araignée

-1-

       لا كلمة على الصفحة الأولى لكراسٍ تلمذيّ مفتوح سهوا، بين قارورة الجعة نصف الفارغة، والكأس نصف الملأى، وبعض الأطباق الصغيرة حيث حبّات زيتون وقطعُ خيار وشرائح جزر على هيئة نقل… مشهد يبدو أشبه بمخلفات حديقة دمرتها عاصفة هوجاء.

       كان فارس قلقا بسبب تمزقه بين خيال عاجز ورغبة مجنونة في الكتابة. كان معتادا على هذه الحيرة التي تنتابه كلما استشعر رغبة في الكتابة، أو شعر بحاجة إليها أو كان تحت طائل واجب يحتم عليه ذلك. وفي كل مرة كان الإحساس ذاته يعتريه كما في المرة الأولى : سماء وطيئة ثقيلة ترزح فوق صدره بكل كآبتها كما لا يمكن أن يتحمله بشر. على أن الشمس كانت يومها في أوج تألقها دون أن تكون حرارتها خانقة. وكان الرجال والنساء يبدون سعداء على زربية من الرمل كأنما تتمايل جذلى مع البحر على الإيقاع الحلو الفاتر للأمواج المنشدة.

       لطالما كان مسكونا بكتابة حكاية…